فصل: الْقِسْمُ الْخَامِسُ: مُصَابَرَةُ الْأَمِيرِ قِتَالَ الْعَدُوِّ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الأحكام السلطانية والسياسة الدينية والولايات الشرعية



.الْقِسْمُ الْخَامِسُ: مُصَابَرَةُ الْأَمِيرِ قِتَالَ الْعَدُوِّ:

فصل:
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ مُصَابَرَةُ الْأَمِيرِ قِتَالَ الْعَدُوِّ مَا صَابَرَ وَإِنْ تَطَاوَلَتْ بِهِ الْمُدَّةُ، وَلَا يُوَلِّي عَنْهُ وَفِيهِ قُوَّةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
وَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَصَابِرُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ وَرَابِطُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَالثَّانِي: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ وَصَابِرُوا الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدَكُمْ وَرَابِطُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَالثَّالِثُ: اصْبِرُوا عَلَى الْجِهَادِ وَصَابِرُوا الْعَدُوَّ وَرَابِطُوا بِمُلَازَمَةِ الثَّغْرِ وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
وَإِذَا كَانَتْ مُصَابَرَةُ الْقِتَالِ مِنْ حُقُوقِ الْجِهَادِ فَهِيَ لَازِمَةٌ حَتَّى يُظْفَرَ بِخَصْلَةٍ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: إحْدَاهُنَّ أَنْ يُسْلِمُوا فَيَصِيرَ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا وَيُقَرُّوا عَلَى مَا مَلَكُوا مِنْ بِلَادٍ وَأَمْوَالٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا».
وَتَصِيرُ بِلَادُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا دَارَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ أَحْرَزُوا بِإِسْلَامِهِمْ مَا مَلَكُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَرْضٍ وَمَالٍ فَإِنْ ظَهَرَ الْأَمِيرُ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَ مَنْ أَسْلَمَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَغْنَمُ مَا لَا يُنْقَلُ مِنْ أَرْضٍ وَدَارٍ، وَلَا يَغْنَمُ مَا يُنْقَلُ مِنْ مَالٍ وَمَتَاعٍ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ.
وَقَدْ أَسْلَمَ فِي حِصَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ ثَعْلَبَةُ وَأُسَيْدٌ ابْنَا شُعْبَةَ الْيَهُودِيَّانِ فَأَحْرَزَ إسْلَامُهُمَا أَمْوَالَهُمَا وَيَكُونُ إسْلَامُهُمْ إسْلَامًا لِصِغَارِ أَوْلَادِهِمْ وَلِكُلِّ حَمْلٍ كَانَ لَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا لِصِغَارِ وَلَدِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ إسْلَامًا لِصِغَارِ وَلَدِهِ وَلَا يَكُونُ إسْلَامًا لِلْحَمْلِ وَتَكُونُ زَوْجَتُهُ وَالْحَمْلُ فَيْئًا، وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَى فِيهَا أَرْضًا وَمَتَاعًا لَمْ يُمْلَكْ عَلَيْهِ إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَكَانَ مُشْتَرِيهَا أَحَقَّ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ مَا مَلَكَهُ مِنْ أَرْضٍ فَيْئًا.
وَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُظْفِرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ مَعَ مَقَامِهِمْ عَلَى شِرْكِهِمْ فَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَيُقْتَلُ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ فِي الْأَسْرِ مِنْهُمْ.
وَيَكُونُ فِي الْأَسْرَى مُخَيَّرًا فِي اسْتِعْمَالِ الْأَصْلَحِ مِنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْتُلَهُمْ صَبْرًا بِضَرْبِ الْعُنُقِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ وَيُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الرِّقِّ مِنْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ عَلَى مَالٍ أَوْ أَسْرَى.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ وَيَعْفُوَ عَنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ}.
وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ضَرْبُ رِقَابِهِمْ صَبْرًا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قِتَالُهُمْ بِالسِّلَاحِ وَالتَّدْبِيرِ حَتَّى يُفْضِيَ إلَى ضَرْبِ رِقَابِهِمْ فِي الْمَعْرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: {حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} يَعْنِي بِالْإِثْخَانِ: الطَّعْنَ وَبِشَدِّ الْوَثَاقِ: الْأَسْرَ.
{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}.
وَفِي الْمَنِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْعَفْوُ وَالْإِطْلَاقُ كَمَا مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ بَعْدَ أَسْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْعِتْقُ بَعْدَ الرِّقِّ، وَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ، وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَفِيهِ هاهنا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْمُفَادَاةُ عَلَى مَالٍ يُؤْخَذُ أَوْ أَسِيرٍ يُطْلَقُ كَمَا فَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَى بَدْرٍ عَلَى مَالٍ وَفَادَى فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ رَجُلٌ بِرَجُلَيْنِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْبَيْعُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ.
{حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}.
وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَوْزَارُ الْكُفْرِ بِالْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِي: أَثْقَالُ الْحَرْبِ وَهُوَ السِّلَاحُ وَفِي الْمَقْصُودِ بِهَذَا السِّلَاحِ الْمَوْضُوعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا سِلَاحُ الْمُسْلِمِينَ بِالنَّصْرِ.
وَالثَّانِي سِلَاحُ الْمُشْرِكِينَ بِالْهَزِيمَةِ وَلِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ شَرْحٌ يُذْكَرُ مَعَ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ بَعْدُ، وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَالْمُوَادَعَةِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمْ وَيُوَادِعَهُمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْذُلُوهُ لِوَقْتِهِمْ وَلَا يَجْعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، فَهَذَا الْمَالُ غَنِيمَةٌ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَيَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا لَهُمْ فِي الِانْكِفَافِ بِهِ عَنْ قِتَالِهِمْ فِي هَذَا الْجِهَادِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ جِهَادِهِمْ فِيمَا بَعْدُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَبْذُلُوهُ فِي كُلِّ عَامٍ فَيَكُونُ هَذَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا وَيَكُونُ الْأَمَانُ بِهِ مُسْتَقِرًّا وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ غَنِيمَةٌ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَمَا يُؤْخَذُ فِي الْأَعْوَامِ الْمُسْتَقْبَلَةِ يُقَسَّمُ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاوِدَ جِهَادَهُمْ مَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ لِاسْتِقْرَارِ الْمُوَادَعَةِ عَلَيْهِ.
وَإِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ بِعَقْدِ الْمُوَادَعَةِ الْأَمَانُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَإِنْ مَنَعُوا الْمَالَ زَالَتْ الْمُوَادَعَةُ وَارْتَفَعَ الْأَمَانُ وَلَزِمَ جِهَادُهُمْ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ مَنْعُهُمْ مِنْ مَالِ الْجِزْيَةِ وَالصُّلْحِ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ فَلَا يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ وَجَازَ حَرْبُهُمْ بَعْدَهَا، لِأَنَّ الْعَهْدَ مَا كَانَ عَنْ عَقْدٍ وَالْخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ أَنْ يَسْأَلُوا الْأَمَانَ وَالْمُهَادَنَةَ، فَيَجُوزُ إذَا تَعَذَّرَ الظَّفَرُ بِهِمْ وَأَخْذُ الْمَالِ مِنْهُمْ أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى الْمُسَالَمَةِ فِي مُدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ يَعْقِدُ الْهُدْنَةَ عَلَيْهَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الْهُدْنَةِ أَوْ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهِ.
قَدْ هادَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرَ سِنِينَ.
وَيَقْتَصِرُ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ وَلَا يُجَاوِزُ أَكْثَرُهَا عَشْرَ سِنِينَ، فَإِنْ هَادَنَهُمْ أَكْثَرَ مِنْهَا بَطَلَتْ الْمُهَادَنَةُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَلَهُمْ الْأَمَانُ فِيهَا إلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، وَلَا يُجَاهِدُونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الْعَهْدِ، فَإِنْ نَقَضُوهُ صَارَ حَرْبًا يُجَاهِدُونَ مِنْ غَيْرِ إنْذَارِ.
قَدْ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ فَسَارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ مُحَارِبًا حَتَّى فَتَحَ مَكَّةَ صُلْحًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعَنْوَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَلَا يَجُوزُ إذَا نَقَضُوا عَهْدَهُمْ أَنْ يُقْتَلَ مَا فِي أَيْدِينَا مِنْ رَهَائِنِهِمْ.
قَدْ نَقَضَ الرُّومُ عَهْدَهُمْ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ وَفِي يَدِهِ رَهَائِنُ فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا مِنْ قَتْلِهِمْ وَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ وَقَالُوا وَفَاءٌ بِغَدْرٍ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ بِغَدْرٍ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ».
فَإِذَا لَمْ يَجُزْ قَتْلُ الرَّهَائِنِ لَمْ يَجُزْ إطْلَاقُهُمْ مَا لَمْ يُحَارِبْهُمْ فَإِذَا حَارَبَهُمْ وَجَبَ إطْلَاقُ رَهَائِنِهِمْ ثُمَّ يَنْظُرُ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَجَبَ إبْلَاغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا ذَرَارِيَّ نِسَاءً وَأَطْفَالًا وَجَبَ إيصَالُهُمْ إلَى أَهَالِيِهِمْ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَا يَنْفَرِدُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ لَهُمْ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ رَدَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رِجَالِهِمْ، فَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ رُدَّ إلَيْهِمْ إنْ كَانُوا مَأْمُونِينَ عَلَى دَمِهِ وَلَمْ يُرَدَّ إلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمَنُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ رَدُّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ نِسَائِهِمْ لِأَنَّهُنَّ ذَوَاتُ فُرُوجٍ مُحَرَّمَةٍ، فَإِنْ اُشْتُرِطَ رَدُّهُنَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَدُّوا وَدَفَعَ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ مُهُورَهُنَّ إذَا طُلِّقْنَ.
وَإِذَا لَمْ تَدْعُ إلَى عَقْدِ الْمُهَادَنَةِ ضَرُورَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُهَادِنَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَادِعَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}.
وَأَمَّا الْأَمَانُ الْخَاصُّ فَيَصِحُّ أَنْ يَبْذُلَهُ كُلُّ مُسْلِمٍ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ حُرٍّ وَعَبْدٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»، يَعْنِي عَبِيدَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ.

.الْقِسْمُ السَّادِسُ: السِّيرَةُ فِي نِزَالِ الْعَدُوِّ وَقِتَالِهِ:

فصل:
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ السِّيرَةُ فِي نِزَالِ الْعَدُوِّ وَقِتَالِهِ.
وَيَجُوزُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ فِي حِصَارِ الْعَدُوِّ أَنْ يَنْصِبَ عَلَيْهِمْ الْعَرَّادَاتِ وَالْمَنْجَنِيقَات.
قَدْ نَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ مَنْجَنِيقًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَهْدِمَ عَلَيْهِمْ مَنَازِلَهُمْ وَيَضَعَ عَلَيْهِمْ الْبَيَاتَ وَالتَّحْرِيقَ، وَإِذَا رَأَى فِي قَطْعِ نَخْلِهِمْ وَشَجَرِهِمْ صَلَاحًا يَسْتَضْعِفُهُمْ بِهِ لِيَظْفَرَ بِهِمْ عَنْوَةً أَوْ يَدْخُلُوا فِي السِّلْمِ صُلْحًا فَعَلَ، وَلَا يَفْعَلُ إنْ لَمْ يَرَ فِيهِ صَلَاحًا.
قَدْ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُرُومَ أَهْلِ الطَّائِفِ فَكَانَ سَبَبًا فِي إسْلَامِهِمْ، وَأَمَرَ فِي حَرْبِ بَنِي النَّضِيرِ بِقَطْعِ نَوْعٍ مِنْ النَّخْلِ يُقَالُ لَهُ الْأَصْفَرُ يُرَى نَوَاهُ مِنْ وَرَاءِ اللِّحَاءِ وَكَانَتْ اللِّحَاءُ مِنْهَا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ الْوَضِيعِ فَقَطَعَ بِهِمْ وَحَزِنُوا لَهُ وَقَالُوا إنَّمَا قَطَعْتُ نَخْلَةً وَأَحْرَقْتُ نَخْلَةً، وَلَمَّا قَطَعَ نَخْلَةً قَالَ سِمَاكٌ الْيَهُودِيُّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُتَقَارِبِ: أَلَسْنَا وَرِثْنَا الْكِتَابَ الْحَكِيمَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى فَلَمْ نُصْرَفْ وَأَنْتُمْ رِعَاءٌ لِشَاءٍ عِجَافٍ بِسَهْلِ تِهَامَةَ وَالْأَحْنَفِ يَرَوْنَ الرِّعَايَةَ مَجْدًا لَكُمْ كَذَا كُلُّ دَهْرٍ بِكُمْ مُجْحِفِ فَيَا أَيُّهَا الشَّاهِدُونَ انْتَهُوا عَنْ الظُّلْمِ وَالْمَنْطِقِ الْمُوكَفِ لَعَلَّ اللَّيَالِيَ وَصَرْفَ الدُّهُورِ تُدِيلُ مِنْ الْعَادِلِ الْمُنْصِفِ بِقَتْلِ النَّضِيرِ وَإِجْلَائِهَا وَعَقْرِ النَّخِيلِ وَلَمْ تُخْطَفْ فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ الْوَافِرِ: هُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ فَهُمْ عُمْيٌ عَنْ التَّوْرَاةِ بُورُ كَفَرْتُمْ بِالْقُرَانِ وَقَدْ أَتَاكُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ فَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ فَلَمَّا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِهِمْ جَلَّ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مِنْ أَجْرٍ؟ وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَاهُ مِنْ وِزْرٍ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}.
وَفِي {لِينَةٍ} أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا أَنَّهَا النَّخْلَةُ مِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ كَانَتْ؟ وَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا كِرَامُ النَّخْلِ وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْفَسِيلَةُ، لِأَنَّهَا أَلْيَنُ مِنْ النَّخْلَةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا جَمِيعُ الْأَشْجَارِ لِلِينِهَا بِالْحَيَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُغَوِّرَ عَلَيْهِمْ الْمِيَاهَ وَيَقْطَعَهَا عَنْهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَأَطْفَالٌ، لِأَنَّهُ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ ضَعْفِهِمْ وَالظَّفَرِ بِهِمْ عَنْوَةً وَصُلْحًا، وَإِذَا اسْتَسْقَى مِنْهُمْ عَطْشَانُ كَانَ الْأَمِيرُ مُخَيَّرًا بَيْنَ سَقْيِهِ أَوْ مَنْعِهِ كَمَا كَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ بَيْنَ قَتْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ.
وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَارَاهُ عَنْ الْأَبْصَارِ وَلَمْ يُلْزَمْ تَكْفِينَهُ.
قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلَى بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّقَ بِالنَّارِ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا.
رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ بِعَذَابِ اللَّهِ».
وَقَدْ أَحْرَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ وَالْخَبَرُ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْ شُهَدَاءِ الْمُسْلِمِينَ زُمِّلَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا وَدُفِنَ بِهَا وَلَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ».
وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ تَكْرِيمًا لَهُمْ إجْرَاءً لِحُكْمِ الْحَيَاةِ فِي ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ بَعْدَ الْبَعْثِ وَلَيْسُوا فِي الدُّنْيَا بِأَحْيَاءٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُمْ بَعْدَ الْقَتْلِ أَحْيَاءٌ الِاسْتِعْمَالُ لِظَاهِرِ النَّصِّ فَرْقًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ.
وَلَا يُمْنَعُ الْجُيُوشُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَكْلِ طَعَامِهِمْ وَعُلُوفَةِ دَوَابِّهِمْ غَيْرَ مُحْتَسِبٍ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتَعَدَّوْا الْقُوتَ وَالْعَلُوفَةَ إلَى مَا سِوَاهُمَا مِنْ مَلْبُوسٍ وَمَرْكُوبٍ، فَإِنْ دَعَتْهُمْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ كَانَ مَا لَبِسُوهُ أَوْ رَكِبُوهُ أَوْ اسْتَعْمَلُوهُ مُسْتَرْجَعًا مِنْهُمْ فِي الْمَغْنَمِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَمُحْتَسَبًا عَلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ إنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا؛ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُعْطَاهَا بِسَهْمِهِ فَيَطَأَهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ عُزِّرَ وَلَا يُحَدُّ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا سَهْمًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَيُضَافُ إلَى الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ أَحْبَلَهَا لَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا وَصَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إنْ مَلَكَهَا.
وَإِنْ وَطِئَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي السَّبْيِ حُدَّ، لِأَنَّ وَطْأَهَا زِنًا، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ وَلَدُهَا إنْ عَلِقَتْ.
فَإِذَا عُقِدَتْ هَذِهِ الْإِمَارَةُ عَلَى غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ لِأَمِيرِهَا أَنْ يَغْزُوَ غَيْرَهَا سَوَاءٌ غَنِمَ فِيهَا أَوْ لَمْ يَغْنَمْ، وَإِذَا عُقِدَتْ عُمُومًا عَامًا بَعْدَ عَامٍ لَزِمَهُ مُعَاوَدَةُ الْغَزْوِ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَقْدِرُ عَلَى غَزْوٍ فِيهِ وَلَا يَفْتُرُ عَنْهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ إلَّا قَدْرَ الِاسْتِرَاحَةِ وَأَقَلُّ مَا يَجْزِيهِ أَنْ لَا يُعَطِّلَ عَامًا مِنْ جِهَادٍ وَلِهَذَا الْأَمِيرِ إذَا فُوِّضَتْ إلَيْهِ الْإِمَارَةُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِهِمْ وَيُقِيمَ الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ وَسَوَاءٌ مَنْ ارْتَزَقَ مِنْهُمْ أَوْ تَطَوَّعَ، وَلَا يَنْظُرُ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهِمْ مَا كَانَ سَائِرًا إلَى ثَغْرِهِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الثَّغْرِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ جَازَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِ جَمِيعِ أَهْلِهِ مِنْ مُقَاتِلَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ إمَارَةً خَاصَّةً أُجْرِيَ عَلَيْهَا حُكْمُ الْخُصُوصِ.